أنشودة البصر والنور

تاريخ : فبراير 17, 2026

بقلم: محمد شمس الحق صديق – بنغلاديش

محمد رقيب، ابن قريةٍ هادئة تُدعى باوا في محافظة بيروجبور ببنغلاديش، شدَّ رحاله يومًا إلى شيتاغونغ ليعمل في شركةٍ لصناعة الملابس، حيث تعانق أصوات الآلات صخب الحياة.
أتقن محمد رقيب عمله في وقتٍ وجيز، فأخذت يداه تفيضان بالمهارة كتدفّق جدولٍ يفيض بالماء، فلم يكن صعبًا عليه تحمّل أعباء الأسرة، والإنفاق على تعليم ابنه وابنته بقلبٍ راضٍ، ويرى في دفاترهم ومستقبلهم ثمرة جهده.
غير أنّ المياه البيضاء أخذت تتسلل إلى عدسة عينيه خفيةً، وتفقد شفافيتها يومًا بعد يوم. ظن في البداية أن الأمر مجرد إرهاق من السهر الطويل في المصنع، فكان يغمض عينيه ويفركهما براحتيه أملًا في أن يعود النور كما كان.
غير أن الضباب في عينه كان يتكاثف يومًا بعد يوم، أكثر في عينه اليمنى منه في اليسرى، حتى غدت الأشكال البعيدة ظلالًا غائمة، والعالم من حوله صار متاهةً بلا معالم.
وبينما هو كذلك إذ وقف مشرفه أمامه يومًا وقال بصوتٍ قوي:
“آسف يا محمد رقيب، أنت رجل طيب يا محمد رقيب ، لكن الآلات لا تتسامح مع الأخطاء.”
كانت تلك الكلمات كسيفٍ قطع آخر خيط يربطه بما كان يحمله من الآمال والأحلام.
عاد إلى بيته مساءً وعيناه مثقلتان بدموعٍ حبيسة. ومنذ تلك اللحظة صار يقضي أيامه ولياليه في فقرٍ هائج، كريحٍ عاتية تجتاح كل ما تبقى من سكينة أسرته الصغيرة، فتقتلع الطمأنينة من جذورها وتبعثرها في أرجاء البيت.
كانت زوجته فاطمة تحاول أن تستتر خلف صبرٍ صامت، بينما ابنه أحمد، ذو الأربعة والعشرين عامًا، يقف حائرًا، وروحه تنوء بعبء البطالة، وتعجز عن فعل أي شيء لوالده الذي تقصم ظهره الحاجة وقلة الحيلة.
أما صغيرته عائشة، ذات السبعة أعوام، فكانت تتفيأ ظلال كنفه، ترفع وجهها إليه كل مساء، وتسأله بعينيها قبل لسانها عن الغد، فيعجز عن الجواب.
وفي لحظةٍ من انكسار الروح، حين ضاقت به الأرض بما رحبت، جاءه صديقه القديم حسن، الذي عمل معه في المصنع لسنواتٍ طويلة. جلس معه تحت شجرة المانجو الوحيدة في الفناء، وقال له:
“ما رأيك أن تشتري عربة خشبية، فتجوب بها الشوارع وتبيع عليها المكسرات؟ لعل ذلك يساعدك على تحمل بعض النفقات.”
أعجبه الرأي، فاستدان خمسة آلاف تاكا من أحد الأصدقاء، وباع ما تبقى من أثاث بيته الذي شهد ضحكات أطفاله: الخزانة الخشبية التي ورثها من أبيه، والمرآة الكبيرة التي اشتراها يوم زفافه، وحتى ماكينة الخياطة القديمة التي كانت رفيقة أحلامه.
اشترى عربة باثني عشر ألف تاكا، وأخذ يجوب بها الشوارع كنسمةٍ حاملةٍ لرائحة الزهور. كان يبيع الفول السوداني المحمص، والحمص المسلوق، والمقبّل الشعبي البنغلاديشي “تشاناتشور”، وأحيانًا بعض الحلوى البسيطة التي تصنعها زوجته في البيت.
غير أنّ الغشاوة البيضاء أناخت بكلكلها على عينيه، وكانت تثقل خطاه وتعرقل مسعاه. أحيانًا كان يمد يده إلى النقود فلا يرى الأرقام بوضوح، فيخطئ في الحساب. وأحيانًا كان يمشي في الطريق فيصطدم بشجرةٍ غادرة، أو يسقط في حفرةٍ تغيب عن ناظريه، فينهض متعثرًا ويجرّ خيبته وراءه.
كان الفقر يحيط به من كل جانب، حتى يحرمه من أمل العلاج، فهو يعلم أنّ العملية الجراحية عودةٌ للنور، غير أنّ يده الخاوية لم تكن تملك إلا الدعاء، وقلبه المكدود لم يكن يملك سوى الصبر وانتظار رحمة الله.
وفي يومٍ من أيام البركة، جاء القدر ممتطيًا أجنحة الخير. وصلت مؤسسة البصر العالمية إلى منطقته بحملة طبية تهدف إلى إجراء عمليات مجانية لإزالة المياه البيضاء وزراعة العدسات لأكثر من 500 شخص.
سمع محمد رقيب الخبر من أحد أعضاء فريق الدعاية، فطار فرحًا، وقطع مسافة سبع كيلومترات التي كانت تفصل بينه وبين المخيم وكأنها خطوة بين عتمة عينيه وبين النور المرتقب.
استُقبل محمد رقيب في مقر الحملة، وكشف على عينيه أحد أطباء الفريق الطبي، الذي قال له بصوتٍ مطمئن:
“هناك مياه بيضاء في كلتا عينيك ووصلت إلى مرحلة متقدمة. لا تقلق، سنبدأ بإجراء العملية في العين اليمنى أولًا، ثم سنجري عملية للعين اليسرى في فرصةٍ أخرى إن شاء الله.”
وبعد إجراء فحوصات أخرى لازمة والمرور بإجراءات روتينية، اقتيد إلى غرفة العمليات الجراحية.
كان قلب رقيب يرتجف وهو يستلقي على السرير، ولكنه استجمع قواه ورضي بما سيفعل به الفريق الطبي، حيث لاحظ أن في قلوب القائمين على المخيم نورًا يتجاوز حدود العلاج.
خضع محمد رقيب لعمليةٍ جراحيةٍ لإزالة المياه البيضاء، وقد استغرقت عشر دقائق فقط. وحين أُزيل الضماد في اليوم التالي، انبثق أمامه عالمٌ لم يره منذ سنين.
الألوان أشرقت كفجرٍ جديد، والوجوه ابتسمت كزهورٍ في ربيعٍ عائد، والحياة تجلّت أمامه كقوس قزح بعد مطرٍ طويل.
أول ما رآه بوضوح كان وجه الطبيب الشاب الذي ابتسم له وقال:“مبروك يا أخي، لقد عادت إليك الرؤية.”
ثم نظر إلى ابنه الواقف بجواره فرأى قسمات وجهه بكل وضوح، وأرسل بصره إلى ما وراء النافذة فرأى أشجار المانجو بأوراقها المخضرة الناصعة، وطيورا بيضاء تحلق في السماء الزرقاء.
ذرفت عيناه دموعا حارّة سالت على وجنتيه كما يسيل المطر على أرضٍ عطشى، وقال بصوتٍ مرتجف: بعد أن فقدت وظيفتي، كنت أعجز عن إطعام أسرتي، فكيف لي أن أجمع نفقات هذه العملية؟ سنة ونصف بلا دخل، بلا أمل، بلا نور.كنت أنظر إلى أفراد عائلتي وأشعر بالذنب لأنني لا أستطيع أن أوفر لهم حياةً كريمة، أو حتى وجبة كاملة أحيانا.
كنت أسأل الله في جوف الليل: متى يا رب؟ متى ينقشع هذا الظلام؟
ثم جاء هذا الخير، فأعاد إليّ البصر، وأعاد إليّ الحياة نفسها.
لو لم تكن هذه المؤسسة بعد الله، لكنتُ أنتظر خمس سنواتٍ أخرى أو أكثر، وربما لم أتمكن من العلاج أبدا.
أنتم لم تُعيدوا لي البصر فقط، بل أعدتم لي كرامتي، وأملي، وقدرتي على النظر في عيون أفراد عائلتي دون خجل.لكم من قلبي دعاءٌ موصول، فقد أنرتم طريقي، وأحييتم قلبي.”
عاد محمد رقيب إلى بيته بصحبة ابنه، فوجد عند العتبة مشهدا طالما تاق إليه قلبه؛ زوجته فاطمة وابنتهما تقفان في انتظاره كنسيم الدار حين يسبق المطر.
وفي تلك اللحظة، رأى وجهها واضحا كما لم يره منذ سنين، فانتبه إلى الهالات الداكنة التي رسمها السهر والقلق تحت عينيها، لكنها رغم ذلك ما زالت تحمل في محياها تلك الابتسامة الوادعة التي قاومت العواصف ولم تنكسر.
اقترب منهم بخطوات يملؤها الشوق، واحتضنهم بلهفةٍ عارمة، وقال بصوتٍ تخنقه العبرات:
“الحمد لله الذي ردَّ إليَّ بصري، وردَّ إليَّ بهجتكم في عيني.”
عاد محمد رقيب إلى عربته، لكن بعينٍ مبصرة وقلبٍ ممتلئ. أصبح قادرًا على رؤية زبائنه بوضوح، وأن يحسب النقود بدقة، وأن يتنقل في الشوارع دون خوف من الاصطدام.
ولم يعد يبيع المكسّرات فقط، بل صار يبيع للناس حكاية الأمل… أنشودة البصر والنور.