حين استيقظ النور
بقلم: السيد فضل منصور- اليمن
لم يكن (حسام) يتذكر متى كانت آخر مرة رأى فيها وجه والدته.
كل ما تبقى في ذاكرته صورٌ باهتة، كلوحات مبللة بمطر عابر، ذابت تفاصيلها في ضباب المياه البيضاء التي حجبت عنه العالم رويدًا رويدًا.
في القرية الصغيرة، حيث الأزقة تروي حكايا البسطاء، كان حسام يجلس كل صباح أمام داره، يستمع لصوت الرياح تعزف بين الأغصان، ويعدّ خطوات العابرين علّه يتخيلهم.
أصبح الظلام رفيق دربه؛ يسير معه في صحوه ومنامه، يعلّمه الصبر، لكنه يسرق من عينيه فرحة الحياة.
كانت القرية تعرف حسام جيدًا. كان ذاك الفتى الذي كان يومًا ما أسرعهم جريًا وأمهرهم قفزًا بين الجداول. أما الآن، فقد صار مجرد ظلّ لإنسان، يتلمّس طريقه بعصا من الخيزران.
وذات صباح حملت الرياح معها بشرى لم تكن في الحسبان:
مؤسسة البصر الخيرية العالمية ستقيم مخيمًا طبيًا في المركز الصحي القريب لإجراء عمليات العيون مجانًا.
كاد قلب حسام ينفطر من فرط الأمل.
كان المركز الصحي قد تزيّن بأحدث الأجهزة، وتحولت غرفه الصغيرة إلى حجرات معقمة ينبض فيها الأمل، يقودها أطباء جاؤوا يحملون النور بأيديهم.
اصطحبه أخوه إلى هناك.
كان ينتظر دوره وهو يستمع إلى أصوات الأطباء والممرضين تتحرك بين الغرف، أصوات كانت تبدو له كألحان لحنها الأمل ذاته.
حين جاء دوره، جلس على الكرسي المقابل للطبيب، شعر بيد دافئة ترفع جفنه، وبصوت مطمئن يقول: “لا تخف. حالتك بسيطة… إزالة المياه البيضاء ستعيد إليك بصرك بإذن الله.”
بدا قلبه وكأنه استعاد نبضه من جديد.
أُجريت له العملية. كانت دقائق مرت كأنها دهر، لكنه ظل ممسكًا بخيط الأمل لا يفارقه.
في صباح اليوم التالي، حين رفع الطبيب الضمادات عن عينيه، تردد حسام قليلًا قبل أن يفتح عينيه، وكأنه يخشى أن يخيب النور ظنونه مرة أخرى.
لكن ما إن أزاح جفنيه حتى اندفعت الألوان نحوه كفيضان جارف.
رأى… رأى!
رأى السماء… رأى الأرض… رأى دموع والدته المنسابة كجدول صافٍ فوق وجنتيها.
كانت لحظة وُلد فيها من جديد.
ضحك حسام ضحكة طازجة كنسيم الفجر، وأجهش بالبكاء، ثم عانق الطبيب الذي مسح دموعه قائلًا: “هنيئًا لك بالنور يا صديقي.”
عاد حسام إلى قريته، لم يعد ذاك الرجل الذي يسير بعصاه متلمسًا الحيطان، بل أصبح يحمل النور في عينيه وقلبه.
ومن يومها، صار كلما مرّ على المركز الصحي انحنى شاكرًا لأولئك الذين أعادوا إليه الحياة.
صار يقول في كل محفل: “رحم الله من زرع نورًا في قلب أطفأه الظلام.”