بقلم : مروى محمد هارون- اليمن
في قرية صغيرة نائية على سفوح الجبال، وُلِد يوسف، طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره.
أبصر النور يومًا، ثم ابتلعه الظلام قبل أن يبلغ عامه الثاني. كان قلبه ممتلئاً بالأمل، فيما كانت عيناه محجوبتين بستار حالك من الظلام.
كل صباح، كانت أمه “نور” تقُبّل عينيه وتهمس بصوتها الدافئ الحنون:
“سماء زرقاء، وطيور تحلق، وكل تلك الألوان… ستراها يومًا ما يا صغيري.”
كانت نور تؤمن أن الكلمات بذور الأمل، تزرعها في صدر صغيرها كل يوم. ولطالما كانت تقول له وهي تضمه إلى حضنها:”سميتك يوسف تيمّنًا بقصة الصبر والفقد، وأنا نور لأذكرك أن البصر قد يغيب، لكن النور لا يزول. سنكمل الطريق معاً يا بني، حتى ترى النور.”
لكن الواقع كان أقسى من الأمنيات. لم يكن في القرية طبيب، ولم يكن بوسعهم تحمل تكاليف العلاج في المدينة. ومع ذلك، لم تسمح نور لليأس أن يغزو قلبها. وكلت أمرها لله، وبذلت كل المستحيل، وعملت بجد لتجمع المال الشحيح لتعيد لجوهرتها “يوسف” بريقها.
كانت تبيع الخبز في السوق، وأحيانًا تجمع بعض الحطب بمشقة وتبيعه، ويدها المتشققة تمسح جبينها المرهق. وكان يوسف يرافقها دائمًا، يستنشق رائحة الخبز والخشب وهو يقول:
“أتمنى أن أرى وجهك يا أمي.. أتمنى أن أخفف الحمل عنك.”
مرت السنوات بصعوبة، كلما ادخروا بعض المال التهمته أعباء الحياة والحاجة المُلحة: طعام، شراب، دواء. لكن إيمان نور لم ينكسر. كانت تردد كل ليلة:”سنجري العملية يا يوسف، ولو لم يبقَ لي غير الدعاء، فلستُ أخشى الفقر ما دمتَ سترى النور.”
وفي سكون الفجر، كانت تنهض لتصلي ركعتيها، تبكي في دعائها وتتمتم بخشوع:
“اللهم اجعل في عينيه نورًا، وفي قلبه نورًا، واجعل له من دعائي فرجًا قريبًا.”
وفي ليلة باردة، مرض يوسف واشتد سعاله، فباعت نور آخر ما تملك لشراء الدواء. رفعت رأسها إلى السماء وهي تمسح دموعه الحارة وتقول:
“ربِّ إني مسنيَ الضرُّ وأنت أرحم الراحمين.”
وفي صباح يوم لم يكن في الحسبان، تناقل الناس خبرًا سارًا: فريق طبي من مؤسسة البصر العالمية يجوب القرى لإجراء عمليات مجانية للأطفال. ترددت نور في تصديق الخبر، حتى لمحت السيارة البيضاء تشق طريقها وسط فرحة الناس بهذه البشرى.
هرعت نور إلى المخيم، وسألت الطبيب بصوت مرتعش:”كم… كم ستكلف العملية؟”
ابتسم الطبيب بلطف وأجاب بهدوء:”لا تقلقي، العملية مجانية… نحن هنا لمساعدة الأطفال.”
عندها انهمرت دموعها، كأنها تغسل سنوات العناء. تذكرت الخبز الذي باعته، والجوع الذي احتملته، والليالي الباردة التي قضتها تدعو. الآن، الأمل أصبح حقيقة.
في تلك الليلة، جلست نور بجوار نافذتها، رفعت يديها إلى السماء وقالت:
“اللهم كما بشّرت يعقوب بيوسف فرددت إليه بصره، فبشّرني بعودة بصر ولدي، ولا تقبضني حتى أطمئن عليه.”
ثم مسحت دموعها بيديها المتشققتين، وابتسمت برضا ويقين، كأنها سمعت الإجابة. وفي الفجر، رحلت روحها الطاهرة بهدوء، مطمئنة أن النور قد اقترب من عيني ابنها.
دخل يوسف غرفة العمليات. انتظرت جدته بالخارج. ساعات مرت كأنها سنوات، ثم خرج الطبيب مبتسمًا:”الحمد لله… نجحت العملية.”
وُضمدت عينا يوسف يومين. وفي اليوم الثالث، اجتمع الطبيب والجدة والممرضات حوله. بدأوا بفك الضماد بحذر.
تمتم يوسف بصوت خافت: “أمي! أين أمي؟”
وحين انكشف القماش الأبيض، فتح عينيه ببطء. ساد الصمت لحظة، ثم صرخ بفرح:”أمي! إني أراكِ.. ما أجمل ابتسامتك يا أمي!”
لم يرَ أحد غيره تلك الابتسامة النورانية، لكن الطبيب دمعت عيناه، وبكت الجدة بحرقة. لقد أبصر يوسف، ورأى وجه أمه في قلبه قبل عينيه.
حين علم يوسف أن العملية كانت مجانية، وأن سنوات كفاح أمه أثمرت معجزة، جلس صامتاً يتأمل، يتذكر يديها المتشققتين، وكلماتها المشجعة، ودموعها التي جمعتها قبل المال.
ومنذ ذلك اليوم، قرر أن يجعل نور أمه رسالته للحياة. بمساعدة مؤسسة البصر، جعل من حبها وصبرها بذرةً لمبادرة أطلق عليها اسم “نور يوسف”. كان يتنقل بين القرى، يحمل الأمل، ويرافق الأطفال في رحلات علاجية. ومع كل عين تبصر من جديد، كان يشعر أن رسالته تكبر.
ومضت السنوات، وأصبحت الرسالة حلمًا، حلمٌ تحقق حين أصبح يوسف طبيب عيون. لم يكن يعالج البصر فقط، بل كان يزرع في القلوب يقينًا بأن النور لا يسكن العيون وحدها، بل يولد من الحب والتضحية. وفي كل مرة يستعيد فيها طفل بصره وتضُيء الابتسامة وجهه، كان يوسف يدرك أن رسالته قد اكتملت… ولم تكن رسالته إلا أن يترك وراءه… عيونًا تبصر الأمل.